الرب يسوع في البرية – القديس امبروسيوس

حقاً إن الرب يسوع، بصومه ووحدته، يعضدنا ضد مجاذبات الشهوات. فربنا كلنا قد احتمل أن يُجرَّب من الشيطان لكي ما نتعلَّم نحن جميعاً فيه كيف نظفر به… لقد جاع الرب في البرية حتى ما يُكفِّر بصومه عن الطعام الذي ذاقه الإنسان الأول بعصيانه. لقد كانت أفضل وسيلة لكسر فخاخ الشيطان هي تقديم طُعم مناسب له. وهكذا إذ يأتي لينقضَّ على الفريسة، يقع هو نفسه في شباكها، وبذا يمكن أن نقول مع النبي: “حَفَرُوا قُدَّامِي حُفْرَةً. سَقَطُوا فِي وَسَطِهَا” (مز 57: 6). وماذا عساه أن يكون هذا الطُّعْم سوى الجسد؟ لذا لَبِسَ الرب يسوع جسداً ضعيفاً وقابلاً للموت ليُصلَب به “مِنْ ضُعْفٍ” (2كو 13: 4)… لنتبع، إذن، آثار خطوات الرب، ونحن نَعْبُر من البرية إلى الفردوس، ولننظر أية طُرق نسلكها. فالآن ها هو المسيح في البرية، يدفع الإنسان إليها، ليُعلِّمه ويُشكِّله ويُدرِّبه ويمسحه بالدهن المقدس…

لقد صام الرب أربعين يوماً… وبهذا الرقم السرِّي يفتح لنا الرب طريق الدخول إلى الإنجيل. فإن كان أحد يريد أن يقتني مجد الإنجيل والقيامة، فعليه ألاَّ يستعفي من هذا الصوم السرِّي. ولكن لماذا ذَكَرَ الإنجيلي أن المسيح جاع، الأمر الذي لا نجد أية إشارة إليه في صوم موسى وإيليا؟ فهل احتمال الناس أكثر من الله؟ إن الذي استطاع أن يبقى أربعين يوماً بدون أن يجوع، قد دلَّ بذلك على أنه جائع، ليس إلى خبز الجسد، بل إلى خلاص (الناس)، وبنفس هذا الجوع كان يستثير الشيطان الذي كان قد تلقَّى ضربة أولى بصوم الرب أربعين يوماً. وهكذا كان جوع الرب حيلة فاضلة. فقد كان إبليس يهاب عظمته مُتحذِّراً منه، ولكن لما رآه قد جاع، انخدع لذلك وتقدَّم ليُجربه كإنسان ظانّاً أنه لن يمنعه شيء من الظفر به. فاعلموا، إذن، هذا السر: إنه من عمل الروح القدس ومن تدبير الله أن يتواجه المسيح مع الشيطان ليُجرَّب.

ونحن نعلم أن إبليس يستعمل ثلاثة سهام يُصوِّبها نحو النفس البشرية، تلك هي: الشراهة، والمجد الباطل، والطموح. إنه يبدأ (في تجربة المسيح) بما سبق أن غَلَبَ به (آدم)؛ وهكذا أنا أيضاً أبدأ أن أغلب، في المسيح، بما سبق أن غُلِبتُ به في آدم. إنني أغلب في المسيح بقدر ما يكون المسيح – وهو صورة الآب – مثالاً لي في الفضيلة.

1- شهوة الجسد (الشراهة):
فلنحذر، إذن، من الشراهة والشهوات الحسية، فهي سهام العدو… كان إبليس يعلم أن ابن الله سيأتي، ولكنه لم يكن يظن أنه سيأتي في مثل هذا الجسد الضعيف، فقال له:
“إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ” (مت 4: 3) (مت 4: 6) … إنه يشهد بأنه يؤمن بالله، ولكنه يجتهد أيضاً أن يخدع (المسيح) كإنسان. ولكن انظروا أسلحة المسيح التي ظفر بها لأجلنا وليس من أجله هو. إنه لا يستعمل قوته كإله – لأني ماذا كنتُ أستفيد من ذلك؟ – ولكنه كإنسان يلجأ إلى الوسيلة العادية، وهي أن ينشغل الإنسان بأن يغتذي بالمطالعة في الكتب الإلهية بالدرجة التي يهمل معها جوع الجسد، ويقتني طعام الكلام السمائي؛ هكذا كان موسى، فلم يشته الخبز، وإيليا فلم يحس بالجوع حتى بعد صوم طويل. لأنه من غير الممكن لمَن يتبع كلمة الله أن يشتهي الخبز الأرضي حينما يقبل جوهر خبز السماء؛ وما من شك أن الإلهي يُفضَّل عن البشري، والروحي عن الجسدي. وهكذا أيُّ مَن يشتهي الحياة الحقيقية، فليطلب هذا الخبز الذي بجوهره غير المنظور يُثبِّت قلب البشر (مز 104: 15). وهو قد أظهر في نفس الوقت بقوله: “لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ” (مت 4: 4) ، أنه تجرَّب بالجسد الذي أخذه منا، وليس بألوهيته.

2- شهوة العيون (المجد الباطل):
يأتي بعد ذلك سهم المجد الباطل. وما أسهل ما يُصطاد به الناس، لأنهم حينما يتمنون إظهار الفضيلة يتركون عنهم المركز والموضع الجدير بأتعابهم. لقد قيل: ثم جاء به إلى أورشليم،
“وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ” (مت 4: 5) … فإن هذا هو المجد الباطل، حينما يظن الإنسان أنه يزداد علوّاً، تأتيه شهوة عمل الأعمال الخارقة لتُحدره إلى الهاوية. فتعلَّموا، إذن، أنتم أيضاً كيف تغلبون إبليس. إن الروح القدس يقودكم، فاتبعوا الروح القدس. لا تنقادوا بشهوة الجسد. تعلَّموا احتقار الملذَّات. صوموا إن كنتم تريدون أن تغلبوا… إن إبليس لا يستطيع أن يؤذي إلاَّ ذاك الذي يُلقي بذاته إلى أسفل. فمَن يترك عنه السماء ليختار الأرض، يَدَع حياته تسقط بإرادته في مثل تلك الهوَّة. إن إبليس حينما يرى إنساناً متديناً، مشهوراً بالفضيلة، مقتدراً في الأعمال والمعجزات، فإنه ينصب له شبكة المجد الباطل لكي ما ينتفخ بالكبرياء، فلا يعتمد على التقوى، بل على برِّه الباطل، ولا ينسب الخير لله بل يُمجِّد به نفسه. ولذلك كان الرسل يأمرون الشياطين باسم المسيح، ليس بأسمائهم الخاصة كيلا يُظهروا أنه في أنفسهم شيء. وهكذا قال بطرس للمقعد: “بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ” (أع 3: 6)، كما نتعلم من بولس الهرب من المجد الباطل، إذ قال:“وَأَعْرِفُ هَذَا الإِنْسَانَ. أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ” (2كو 12: 3) “وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِي لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ بِضَعَفَاتِي”(2كو 12: 5). وهنا أيضاً لم يفعل الرب ما يُرضي إبليس، بل أجابه: “لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 4: 7).

3- تعظُّم المعيشة (الطموح):
“ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ” (لو 4: 5). حقاً تُرَى أمور الدهر الحاضر والأرضي في لحظة من الزمان، وهذا لا يعني سرعة الرؤية بقدر ما يعني هزالة قوتها البالية. في لحظة من الزمان يزول هذا كله، وكثيراً ما يمضي نعيم الدنيا قبل أن يأتي فـ “الْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ” (1يو 2: 17)… هذا يدعونا لإزدراء الطموح الباطل. فلنعبد، إذن، إلهنا الواحد. ولا نخدمنَّ سواه حتى ما يجازينا بثمار الحياة الأبدية الأفضل، ولنهرب من كل ما هو تحت سيادة إبليس لئلا نقع تحت عبوديته المُرَّة. وغير خافٍ أن من أكبر مساوئ الطموح هو أنه يجعل الإنسان يتمسح من أجل استجداء الكرامة، الأمر الذي قد يؤدِّي به إلى الإجرام، إنه يستجلب الاحترام من خارج ويجرُّ الهلاك على الداخل، ومن أجل أن يسود على الآخرين، يبدأ بأن يكون عبداً لهم، إنه يتزلَّف من أجل أن يقبل الكرامات، ويتسفَّل من أجل أن يرتفع… “وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ” (لو 4: 13)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
+ ترجمة رهبان دير القديس أنبا مقار الكبير ببرية شيهيت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: