حملان وسط ذئاب ـ القديس كيرلس السكندري

ماذا تقول أيها الرب؟ كيف يستطيع الحمل أن يتحدث مع الذئاب؟ متى كان الحيوان المفترس في سلام مع الحمل؟ فبالكاد يستطيع الرعاة أن يحموا قطعانهم في الحظائر وأن يغلقوا عليها داخل السياجات، بتخويف الوحوش التي تريد أن تفترس الحملان بواسطة نباح الكلاب، بل وأيضاً يجازفون بأنفسهم ليدافعوا عنها، ويخاطرون لأجل حماية الأعضاء الضعيفة في قطيعهم. كيف إذن يأمر الرب الرسل القديسين الذين بلا لوم – كحملان – أن يصاحبوا الذئاب، ويذهبوا إليها بأنفسهم؟ أليس الخطر ظاهراً؟ أما يصبحون فريسة جاهزة لهجماتها؟ كيف يستطيع الحمل أن ينتصر على الذئب؟ كيف يمكن للمسالم جداً أن يقهر توحش الحيوانات المفترسة؟

“نعم” يقول الرب. “أنا الراعي لهم جميعاً للصغير والكبير، لعامة الناس وللأمراء، للمعلمين والمتعلمين، سأكون معكم وأساعدكم وأخلصكم من كل شر. سأروِّض الحيوانات المتوحشة، سأغيِّر الذئاب إلى حملان، وسأجعل المضطهدين مساعدين للمضطَهَدين، وسأجعل من يسيئون إلى خدامي شركاء في خططهم المقدسة، أنا أصنع كل الأشياء، وأنا أحلها، ولا يوجد شيء يستطيع أن يقاوم إرادتي”.

وهذه هي النتيجة الفعلية التي حدثت والتي نراها في أمثلة تمَّت بالفعل، فبولس الإلهي كان مجدفاً ومضطهداً، كان أكثر إيذاء وقسوة من أي ذئب على أولئك الذين آمنوا بالمسيح، فهل إستمر في هذا السلوك؟ هل ظل ذئباً إلى النهاية؟ كلا بالمرة، لأنه دعي من المسيح واختبر تعييراً غير متوقع، وهذا الذي كان في القديم ذئباً أصبح أكثر وداعة من الحمل، وكرز بالإيمان الذي كان يوماً يضطهده، وكان مثل هذا التغيير غير المنتظر دهشة لجميع الناس، والمسيح تمجد، لأنه غيَّره من وحش مفترس إلى حمل.

هيا بنا نناقش نقطة مشابهة، إلا وهي دعوة الأمم، دعنا نرى ما إذا كانوا – في وقت ما – هم أيضاً وحوشاً كاسرة، وأكثر توحشاً من الذئاب ضد خدام رسالة إنجيل الخلاص، وكيف أنهم تحولوا إلى الوداعة وعدم المكر بمعونة المسيح، فهم أيضاً اضطهدوا الرسل القديسين، ليس كأناس يحاربون الذئاب، بل كالوحوش المفترسة يهيجون بوحشية ضد الحملان، ورغم أنهم لم يسيئوا إليهم بل دعوهم إلى الخلاص، إلا أنهم رجموهم وسجنوهم واضطهدوهم من مدينة إلى مدينة، إلا أنَّ هؤلاء الذين تصرفوا هكذا أولاً أصبحوا فيما بعد ودعاء وبلا مكر، وصاروا كالحملان التي كانوا قد اضطهدوها. من سوى يسوع المسيح ربنا يعمل كل هذه الأمور؟

عن هذا يتكلم إشعياء النبي بالروح ويقول انه يرعى الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، وترعى البقرة والذئب معاً ويأكل الأسد والثور التبن معاً، ويربض أولادهما معاً (اش 65: 25). اعلم أيها الحبيب وافهم، إن أولئك الذين تقدسوا بالإيمان لم يشاكلوا الأمم في عاداتهم، بل بالعكس، فإن المدعوين من الأمم هم الذين شاكلوهم، فإن الذئب والأسد والنمر والدب هي حيوانات آكلة لحوم، أمَّا الحيوانات ذات الطبيعة الهادئة كالجداء والحملان والثيران تغتذي بالعشب. ولكن الحيوانات المفترسة – يقول النبي – سوف ترعى مع الحيوانات الأليفة وتغتذي بطعامها … إذ تخلوا عن الطباع الشرسة وتحولوا إلى الوداعة التي تليق بالقديسين، وتغيروا بالمسيح حتى صارت الذئاب حملاناً، لأنه هو الذي صيَّرهم ودعاء، ووحد الشعبين إلى ذهن مملوء بمحبة الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
+ المرجع: عظة 61، تفسير إنجيل لوقا، القديس كيرلس السكندري، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة.
+ منقول عن مدونة آبائية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: