كيف تم الفداء ؟ ـ القديس يوحنا ذهبي الفم

اليوم يجتاز الرب في الهاوية. اليوم يحطم الأبواب النحاسية ومتاريسها الحديدية. لاحظ الدقة، فهو لم يقل فتح الأبواب لكن “سحق الأبواب النحاسية” (مز107: 16)، لم يخلع المتاريس لكن سحقها لكي يُبطل السجن.

من يستطيع أن يفعل شيئا أمام قوة المسيح؟ من يصحح ما قد دمره الله؟

فالملوك عندما يحررون المسجونين لا يفعلون ما فعله المسيح، لكن يعطون أوامرهم بعتق المسجونين ويبقون الأبواب والحراس، مظهرين هكذا إمكانية أن يستخدم هذا السجن مرة ثانية ليدخل إليه ـ إذا اقتضى الأمر ـ أولئك الذين تحرروا بأمر الملك أو آخرون بدلاً منهم. لكن المسيح لا يعمل بهذه الطريقة. إذ سحق الأبواب النحاسية قاصدًا أن يُبطل الموت. ودعاها “نحاسية” لكي يُظهر مدى صلابتها وعدم سهولة انحلال الموت. ولكي تعلم أن النحاس والحديد يشيران إلى الصلابة، اسمع ماذا يقول الله لشخص وقح: ” لمعرفتي أنك قاس وعضل من حديد عنقك وجبهتك نحاس” (إش48: 4). وعبّر هكذا لا لأنه له عضل من حديد أو جبهة من النحاس، لكن بسبب أنه أراد أن يشير إليه بأنه صارم ووقح وقاسي.

هل تريد أن تعلم كم أن الموت قاسي ومؤلم وعديم الشفقة؟

إنه لم ينتصر عليه أحد وتحرر منه، حتى أتى رب الملائكة وانتصر عليه. حسنًا، لقد أخذ الرب أولاً الشيطان وحبسه وانتصر عليه. لذلك مكتوب ” وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ” (إش45: 3). بالرغم من أنه أشار إلى مكان واحد (الظلمة)، إلاّ أن له أهمية مزدوجة. فتوجد أماكن مظلمة لكنها يمكن أن تصير منيرة إذا وضعنا فيها مصابيح. وأماكن الهاوية كانت مظلمة جداً ومؤلمة ولم تدخلها أشعة النور مطلقًا، لذلك توصف بأنها مظلمة وغير منظورة. كانت مظلمة حتى اللحظة التي نزل فيها لبر وأضاء الهاوية بنوره فجعلها سماء. لأنه حيث يوجد المسيح يتحول المكان إلى سماء. وحسنا سُمّي ما بهذا المكان بـ “ذخائر الظلمة”، لأنه يوجد به غنى وفير. إذ أن كل الجنس البشري الذي هو غنى الله (ذخائر) كان قد سُرق بواسطة الشيطان الذي خدع الإنسان الأول واستعبده للموت. وحقيقة كون الجنس البشري هو بمثابة غنى الله، قد أشار إليه بولس حين قال: ” لأن رباً واحداً للجميع غنياً لجميع الذين يدعون به” (رو10: 12).

ومثل لص سرق المدينة ونهبها واختفي في كهف واضعًا فيه كل الأشياء الثمينة، فقبض عليه الملك ثم بعد ذلك سلّمه للعقاب ونقل كنوزه إلى المخازن الملوكية. هكذا فعل المسيح، إذ بموته سجن اللص وقيده أي الشيطان والموت، ونقل الكنوز، أعني الجنس البشري، إلى الخزائن الملوكية. هذا ما يعلنه بولس الرسول بقوله: ” الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته” (كو1: 13).

والأهم هو أن ملك الملوك (المسيح) قد انشغل بهذا الحدث، في الوقت الذي فيه لا يقبل أي ملك آخر فعل هذا الأمر، بل يكتفي بإعطاء أمر إلى عبيده لكي يحرروا المسجونين. لكن ـ كما قلنا ـ لا يحدث هنا مثل هذا الأمر، بل جاء ملك الملوك نفسه إلى المسجونين، ولم يخجل سواء من السجن أو المسجونين. لأنه كان من المستحيل أن يخجل من خليقته. فسحق الأبواب وحلّ المتاريس وفرض سيادته على الهاوية. ونقل الطاغية أسيراً والقوي مقيداً. الموت نفسه ألقى أسلحته وأسرع مستسلمًا وأعلن طاعته إلى الملك.

ـــــــــــــــــــــــــ
+ ترجم هذه العظة دكتور جورج عوض إبراهيم عن النص الأصلي الموجود باللغة اليونانية في باترولوجيا جريكا (ميني) P.G. 49: 393-398

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: